اغتيال شارلي كيرك: جريمة سياسية في قلب صراع السرديات

by: سليم نقل
September 11, 2025

في ١٠ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٥، دوّى اغتيال الناشط الأميركي اليميني تشارلي كيرك (٣١ عامًا) برصاصة قنّاص خلال فعالية جامعية في ولاية يوتا.

اختيار التوقيت لم يكن عبثيًا: عشيّة ذكرى ١١ سبتمبر، في مشهدية “هوليوودية” واضحة، استُحضرت فيها صور عائلية لكيرك بعد مصرعه. لم يكن هذا كله تفصيلًا عابرًا؛ بل كان جزءًا من صناعة صدمة جماهيرية تُوظَّف سياسيًا وإعلاميًا. هذا الحدث، الذي أُحيط بتغطية واسعة النطاق، لم يبقَ في حدود الجريمة الفردية، بل تحوّل بسرعة إلى ساحة مفتوحة لصراع السرديات.

كيرك: أيقونة يمينية…وشخصية مثيرة للجدل على مفترق حساس

عُرِف كيرك، مؤسس منصة “ترنينغ بوينت يو إس إيه”، خلال العقد الأخير كأحد أبرز وجوه اليمين الشعبوي الأميركي. اشتهر بمؤتمراته وبودكاسته والمناظرات الحيّة التي جذبت جمهورًا واسعًا، وبمواقفه المؤيدة بقوة لإسرائيل. كما ارتبط بعلاقة وثيقة مع الرئيس دونالد ترامب وساهم في تعبئة قطاعٍ شبابي محافظ في انتخابات ٢٠٢٤ وما بعدها. وقد نعاه معظم الساسة الأميركيين والإسرائيليين بعد اغتياله.

لكن من اللافت في الآونة الأخيرة أن كيرك بدأ يقتحم ملفات شديدة الحساسية، أبرزها قضية جيفري إبستين. ففي منتصف تموز/يوليو ٢٠٢٥ خصّص كيرك حلقات مطوّلة لقضية إبستين، ودعا إدارة ترامب إلى الإفراج عن ملفاتها، كما ناقش في مناسبة علنية مع ميغن كيلي أسئلة تتردّد في أوساط اليمين الأميركي الأبيض حول طبيعة الارتباطات الاستخبارية الإسرائيلية بهذا الملف تحديدًا وغيرها من قضايا. وهو ما يمكن اعتباره كسرًا لخطوط حمراء ظلّت تحكم المشهد السياسي والإعلامي الأميركي لحوالي قرن من الزمان. هذه الانعطافة جعلت منه شخصية مقلقة، ليس فقط لخصومه السياسيين، بل أيضًا لمصالح متجذرة عابرة للأحزاب.

اللوبي الإسرائيلي والمال السياسي تحت الضوء

من هنا يمكن فهم حساسية المرحلة: فحرب غزة الأخيرة أعادت جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل إلى واجهة النقاش الأميركي. فتقارير الإنفاق الانتخابي أثبتت أن “أيباك” عبر ذراعها الانتخابي (سوبر-باك )، ضخت أموالًا ضخمة للتأثير في السباقات البرلمانية، مستهدفة أصواتًا تقدمية مؤيدة لفلسطين. وعلى مدى العقدين الماضيين، أنفقت أيباك مئات الملايين (حسب الأرقام المعلنة) في المشهد الانتخابي الأميركي، ما جعل المال السياسي إحدى ركائز نفوذها الأساسية.

الإنسان الأبيض الأميركي والكنيسة الإنجيلية كقاعدة تاريخية

ما منح إسرائيل غطاءً شعبيًا واسعًا طوال عقود لم يكن مجرد اعتبارات سياسية باردة، بل استند بالأساس إلى القاعدة البيضاء المحافظة في الولايات المتحدة، التي رأت في إسرائيل امتدادًا لهويتها الدينية والثقافية. هذه القاعدة لم تكن قوة هامشية؛ بل كانت على الدوام أغلبية صاخبة ساهمت في جعل الدعم لإسرائيل مسألة إجماع داخلي طويل الأمد.

في قلب هذه القاعدة تقف الكنيسة الإنجيلية (Evangelical Church)، التي رسّخت عبر خطابها الديني عقيدة مؤداها أن قيام إسرائيل جزء من نبوءة توراتية مرتبطة بعودة المسيح. هذا التفسير اللاهوتي تحوّل إلى قوة سياسية ضخمة قادرة على حشد ملايين الأصوات، وهو ما جعل السياسيين، من الجمهوريين خصوصًا، يخطبون ودّها بشكل دائم. فمنذ عهد ريغان وصولًا إلى إدارة ترامب، لعبت هذه الكنيسة دورًا حاسمًا في صياغة السياسة الخارجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط، ودعمت بلا هوادة كل ما يعزز أمن إسرائيل ومكانتها.

هذا الاندماج بين الإيمان الديني والهوية السياسية جعل من الدعم لإسرائيل ركيزة مقدّسة لدى المجتمع الأبيض المسيحي، بحيث بات أي مساس بها يُقرأ كتهديد وجودي لهويته. غير أن هذا العمق الشعبي يتعرض اليوم لتحدٍ غير مسبوق: الأجيال الجديدة لم تعد تذهب إلى قداس الأحد كما كان يفعل آباؤها وأجدادها، وتراجع الارتباط بالكنائس، خصوصًا بين جيل الألفية وجيل زد، ما أضعف سلطة الخطاب الكنسي على الوعي السياسي والاجتماعي. ومع هذا الانفصال عن الإطار الديني التقليدي، وجد الشباب أنفسهم أكثر تحررًا في إعادة النظر في المسلمات القديمة، بما فيها الموقف من إسرائيل.

وهكذا، بينما استندت إسرائيل لعقود على دعم الإنسان الأبيض المحافظ وكنيسته الإنجيلية كقوة صلبة في الداخل الأميركي، فإن التحولات الجيلية الحالية تنذر بتآكل هذا التحالف التاريخي، وتفتح الباب أمام صراع هوية داخل أميركا نفسها: صراع بين جيل لا يزال يرى إسرائيل جزءًا من إيمانه وهويته، وجيل جديد يتعامل معها كقوة استعمارية لا تختلف عن غيرها من مشاريع السيطرة العالمية.

جيل جديد يقلب المعادلة

لكن المسألة لا تتعلق فقط باللوبيات والمال السياسي؛ فالأرضية الشعبية نفسها تتغير. استطلاعات “بيو” و” غالوب” وثّقت تراجع صورة إسرائيل وسط الأجيال الجديدة في أمريكا، غير أن الدراسة الأبرز جاءت من “هارفارد/هاريس” (آب/أغسطس ٢٠٢٥)، التي أظهرت أن ٦٠% من جيل زد (١٨–٢٤ عامًا) في الولايات المتحدة أيّدوا حماس على حساب إسرائيل، في مقابل أغلبية نسبية ما زالت تميل لإسرائيل. هذا الفارق الجيلي يمثل تحولًا استراتيجيًا: الرواية الإسرائيلية التي سادت لعقود داخل أميركا تفقد اليوم مشروعيتها في أوساط الشباب. والمؤشر الأوضح أن نصف الأميركيين باتوا يعتبرون ما يحدث في غزة إبادة جماعية، وهو تحول يقوّض فعالية منظومة التبريرات القديمة.

هذا التحول داخل الولايات المتحدة يتردد صداه في الضفة الأخرى من الأطلسي. فمن الجامعات الأميركية إلى ساحات أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، خرجت احتجاجات غير مسبوقة ومظاهرات يومية حاشدة ضمت عشرات الملايين اجتاحت عواصماً ومدنًا كبرى حول العالم، رغم القمع الأمني ومحاولات التشويه الإعلامي. وهكذا تحولت فلسطين إلى قضية مركزية لجيل عالمي جديد يرى في غزة مرآةً للعدالة والتحرر.

من أميركا إلى أوروبا: مشهد غربي متصدّع

هذا الشرخ داخل الولايات المتحدة لا يحدث في فراغ؛ بل يتزامن مع تحولات أوسع في القارة الأوروبية. هناك، تصاعد خطاب عدائي تجاه المهاجرين، وخصوصًا المسلمين، على نحو غير مسبوق. من لندن إلى باريس، يُقدَّم اللاجئون على أنهم “غزو” يهدد هوية القارة. هذا الخطاب يترجم إلى تشريعات ترحيل وتشديد أمني، بل وإلى موجات عنف في الشارع. وهكذا يتضح أن ما يتشكل ليس مجرد نقاش محلي في أميركا أو أوروبا، بل نمط غربي عام يُعيد صياغة الهوية عبر عدسة الصراع مع الإسلام.

ومع ذلك، لا يمكن فهم هذه التطورات كحوادث معزولة؛ فهي جزء من مسار ممتد منذ قرابة عقدين، انتقلت فيه الأحزاب اليمينية من الهامش إلى قلب السلطة في دول مثل النمسا وإيطاليا والبرتغال. ومن هنا برزت موجة يمينية عالمية وجدت صداها أيضًا في الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل المشهد الأوروبي جزءًا من موجة أوسع تعيد رسم خرائط الهوية والتحالفات في إطار صدام حضاري متجدد. غير أن هذا الصراع، الذي بات حاضرًا تقريبًا في كل دول الغرب، يتجاوز السياسة المباشرة ليأخذ شكل مواجهة صامتة تتصاعد تدريجيًا بين توجه يميني يجد جذوره في عقود من تسويق الليبرالية المنهكة، وبين جيل جديد منقسم على نفسه بين نزعة قومية محافظة وميل متزايد نحو التحرر، وبين “أبناء البلد” الأصليين والمهاجرين الجدد.

غزة كخطّ صدع ٍعالمي

ومثلما يُستَخدم خطاب الهوية في أوروبا، تتحول غزة إلى المسرح الأكثر تعبيرًا عن هذا الصراع الكوني. فبالنسبة للغرب الرسمي، تُقدَّم الحرب باعتبارها معركة ضد “الإرهاب الإسلامي”. أما في الوعي الشعبي العالمي، وخاصة بين الأجيال الشابة، فقد أصبحت غزة رمزًا لمقاومة استعمارية ضد منظومة هيمنة استعصت طويلًا على النقد.

وتحول المشهد إلى انتفاضة جماهيرية واسعة امتدت من العواصم الغربية إلى مدن جنوب العالم، لتجعل من غزة نقطة توافق لحركات شبابية وشعبية متباينة، لتعيد بالتالي ربط النضال ضد الاستعمار القديم بمواجهة الهيمنة الغربية الراهنة، وتفرض بحراكها وصوتها إعادة رسم خريطة القضايا العادلة في العالم وتضعها في مواجهة مباشرة مع سرديات القوة السائدة,

فالجنوب العالمي لم يعد “تابعًا” أو “جاهلًا” كما كان يُصوَّر، وكما حرص الغرب على قولبته، بل صار يمتلك أدوات ووعيًا ومقاومةً تجعل خطاب الهيمنة الغربية يبدو أقرب إلى إرث استعماري يتداعى. ومع الموجة الشبابية العالمية التي حولت غزة إلى رمز للتحرر، يتضح أن زمن الهيمنة الغربية يقترب من نهايته أمام قوى الجنوب الصاعدة.

من المستفيد من الدم؟

غير أن البعد الرمزي لا يكفي وحده لتفسير ما جرى مع كيرك؛ فثمة مصالح مباشرة وأهداف سياسية خلف مشهد الدم. الاحتمال الأول هو وقف التحول الأميركي المتسارع نحو التعاطف مع فلسطين، عبر إعادة إنتاج صدمة أخلاقية تحوّل الأنظار. الاحتمال الثاني هو إطفاء أي بريق تحقيقات كان يمكن أن تهدد مصالح نافذة، وعلى رأسها ملف إبستين. في الحالتين، الهدف واحد: السيطرة على السردية، ومنع أي خلخلة لمنظومة النفوذ التي ما زالت تتحكم بالعلاقة بين أميركا وإسرائيل.

خاتمة

اغتيال تشارلي كيرك لم يكن مجرد عمل فردي أو جريمة عابرة، بل علامة على عمق الشرخ داخل الغرب نفسه. من أميركا إلى أوروبا، تتهاوى الرواية الإسرائيلية التقليدية، وتبرز في مقابلها أصوات جديدة تصف ما يجري بجرأة: إبادة، مجاعة، هيمنة، مقاومة. ما وقع في يوتا ليس حادثًا معزولًا، بل جزء من معركة أكبر: معركة على الوعي، وعلى من يملك الحق في تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية.

 

Article INFORMATION

Salim Nuqul
سليم نقل
September 11, 2025